فصل: لما شغل الصالح بالإفرنج وما بعدهم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


 دولة الترك

الخبر عن دولة الترك القائمين بالدولة العباسية بمصر والشام من بعد بني أيوب ولهذا العهد ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم قد تقدم لنا ذكر الترك وأنسابهم أول الكتاب عند ذكر أمم العالم ثم أخبار الأمم السلجوقية وإنهم من ولد يافث بن نوح باتفاق من أهل الخليقة‏.‏ فعند نسابة العرب أنهم من عامور بن سويل بن يافث وعند نسابة الروم أنهم من طيراش بن يافث‏.‏ هكذا وقع في التورارة‏.‏ والظاهر أن ما وقع لنسابة العرب غلط وان عامور هو مصحف كومر لأن كافه تنقلب عند التعريب غيناً معجمة فربما سصحفت عينا مهملة أو بقيت بحالها‏.‏ وأما سويل فغلط بالزيادة وأما ما وقع للروم من نسبتهم إلى طيراش فهو منقول في الإسرائيليات وهو رأي مرجوح عندهم لمخالفته لما في التوراة‏.‏ وأما شعوبهم وأجناسهم فكثيرة وقد عددنا منهم أول الكتاب التغرغر وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طغماح وهي بلاد ملوكهم في الإسلام تركستان وكاشغر‏.‏ وعددنا منهم أيضاً الخزلخية والغز كان منهم السلجوقية والهياطلة الذين منهم الخلج وبلادهم الصغد قريباً من سمرقند ويسمون بها أيضاً‏.‏ وعددنا منهم أيضاً الغور والخزر والقفجاق ويقال الخفشاخ ويمك والعلان ويقال اللان وشركس وأركش‏.‏ وقال صاحب كتاب زجار في الكلام على الجغرافيا أجناس من الترك كلهم وراء النهر إلى البحر المظلم وهي العسية والتغرغرية والخرخيرية والكيماكية والخزلخية والخزر والحاسان وتركش وأركش وخفشاخ والخلخ والغزية وبلغار وخجاكت ويمناك وبرطاس وسنجرت وخرجان وأنكر‏.‏ وذكر في موضع آخر أنكر من شعوب الترك وأنهم في بلاد البنادقة من أرض الروم‏.‏ وأما مواطنهم فإنهم ملكوا الجانب الشمالي من المعمور في النصف الشرقي منه قبالة الهند والعراق في ثلاثة أقاليم هي السادس والسابع والخامس كما ملك العرب الجانب الجنوبي من المعمور أيضاً في جزيرة العرب وما إليها من أطراف الشام والعراق وهم رجالة مثلهم وأهل حرب وافتراس ومعاش من التغلب والنهب إلا في الأقل‏.‏ وقد ذكرنا أنهم عند الفتح لم يذعنوا إلا بعد طول حرب وممارسة أيام سائر دولة بني أمية وصدراً من صولة بني العباس‏.‏ وامتلأت أيدي العرب يومئذ من سبيهم فاتخذوهم خولاً في المهن والصنائع ونساءهم فرشاً للولادة كما فعلوه في سبي الفرس والروم وسائر الأمم الذين قاتلوهم على الدين وكان شأنهم أن لا يستعينوا برقيقهم في شيء مما يعانونه من الغزو والفتوح ومحاربة الأمم ومن أسلم منهم تركوه لسبيله التي هو عليها من أمر معاشه على طاغية هواه‏.‏ لأن عصبية العرب كانت مستفحلة يومئذ وشوكتهم قائمة مرهفة ويدهم ويد سلطانهم في الأمر جميعاً ومرماهم إلى العز والمجد واحد‏.‏ وكانوا كأسنان المشط لتزاحم الأنساب وغضاضة الدين حتى إذا أرهف الملكم حده ونهج إلى الاستبداد طريقه واحتاج السلطان في القيام بأمره إلى الاستظهار على المنازعين فيه من قومه بالعصبية المدافعة دونه والشوكة المعترض شباها في أذياله حتى تجدع أنوفهم عن التطاول إلى رتبته وتغض أعنتهم عن السير في مضماره اتخذ بنو العباس من لدن المهدي والرشيد بطانة اصطنعوهم من موالي الترك والروم والبربر ملأوا منهم المواكب في الأعياد والمشاهد والحروب والصوائف والحراسة على السلطان وزينة في أيام السلم واكثافاً لعصابة الملك‏.‏ حتى لقد اتخذ المعتصم مدينة سامرا لنزلهم تحرجاً من أضرار الرعية باصطدام مراكبهم وتراكم القتال بجوهم وضيق السكك على المارين بزحامهم‏.‏ وكان اسم الترك غالباً على جميعهم فكانوا تبعاً لهم ومندرجين فيهم‏.‏ وكانت حروب المسلمين لذلك العهد في القاضية وخصوصاً مع الترك متصلة والفتوح فيهم متعاقبة وأمواج السبي من كل وجه متداركة‏.‏ وربما رام الخلفاء عند استكمال بغيتهم و استجماع عصابتهم اصطفاء عملية منهم للمخالصة وقواد العساكر ورؤساء المراكب فكانوا يأخذون في تدريجهم لذلك بمذاهب الترشيح فينتقون من أجود السبي الغلمان كالدنانير والجوار كاللآلئ ويسلمونهم إلى قهارمة القصور وقرمة الدواوين يأخذونهم بحدود الإسلام والشريعة وآداب الملك والسياسة ومراس الثقافة في المران على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والمطاعنة بالرماح والبصر بأمور الحرب والفروسية ومعاناة الخيول والسلاح والوقوف على معاني السياسة‏.‏ حتى إذا تنازعوا في التشريح وانسلخوا من جلده الخشونة إلى رقة الحاشية وملكة التهذيب اصطنعوا منهم للمخالصة ورقوهم في المراتب واختاروا منهم لقيادة العساكر في الحروب ورئاسة المواكب أيم الزينة ورتق الفتوق الحادثة وسد الثغور القاصية كل على شاكلة غنائه وسابق اصطناعه‏.‏ فلم يزل هذا دأب الحفاء في اصطناعهم ودعامة سرير الملك بعمدهم وتمهيد الخلافة بمقامتهم حتى سموا في درج الملك وامتلأت جوانجهم من الغزو وطمحت أبصارهم إلى الاستبداد فتغلبوا على الدولة وحجروا الخلفاء وقعدوا بدست الملك ومدرج النهي والأمر وقادوا الدولة بزمامهم وأضافوا اسم السلطان إلى مراتبهم‏.‏ وكان مبدأ ذلك واقعة للمتوكل وما حصل بعدها من تغلب الموالي واستبدادهم بالدولة والسلطان‏.‏ ونهج السلف منهم في ذلك السبيل للخلف واقتدى الآخر بالأول فكانت لهم دول في الإسلام متعددة تعقب غالباً دولة أهل العصبية وشوكة النسب كمثل دولة بني سامان وراء النهر وبني سبكتكين بعدهم وبني طولون بمصر وبني طغج‏.‏ وما كان بعد الدولة السلجوقية من دولتهم مثل بني خوارزم شاه بما وراء النهر وبني طغرلتكين بدمشق وبني أرتق بماردين وبني زنكي بالموصل والشام وغير ذلك من دولتهم التي قصصناها عليك قي تصانيف الكتاب‏.‏ حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف ولبثت أثواب البلاء والعجز ورميت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسي الخلافة وطمسوا رونق لبلاد وأدالوا بالكفر عن الإيمان بما أخذ أهلها عند الاستغراق في التنعم والتشاغل في اللذات والاسترسال في الترف من تكاسل الهمم والقعود عن المناصرة والانسلاخ من جلدة البأس وشعار الرجولية فكان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بإحياء رمعه وتلافي شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها العزيزة المتوافرة أمراء حامية وأنصاراً متوافية يجلبون من دار الحرب إلى دار الإسلام في مقادة الرق الذي كمن اللطف في طيه وتعرفوا العز والخير في مغبته وتعرضوا للعناية الربانية بتلافيه‏.‏ يدخلون في الدين بعزائم إيمانية وأخلاق بدوية لم يدنسها لؤم الطباع ولا خالطتها أقذار اللذات ولا دنستها عوائد الحضارة ولا كسر من سورتها غزارة الترف‏.‏ ثم يخرج بهم التجار إلى مصر أرسالاً كالقطا نحو الموارد فيستعرضهم أهل الملك منهم ويتنافسون في أثمانهم يما يخرج عن القيمة لا لقصد الاستعباد إنما هو إكثاف للعصبية وتغليظ للشوكة ونزوع إلى العصبية الحامية يصطفون من كل منهم بما يؤنسونه من شيم قومهم وعشائرهم‏.‏ ثم ينزلونهم في غرف الملك ويأخدونهم بالمخالصة ومعاهدة التربية ومدارسة القرآن وممارسة التعليم حتى يشتدوا في ذلك‏.‏ ثم يعرضونهم على الرمي والثقافة وركض الخيل في الميادين والمطاعنة بالرماح والمماصعة بالسيوف حتى تشتد منهم السواعد وتستحكم الملكات ويستيقنوا منهم المدافعة عنهم والاستماتة دونهم‏.‏ فإذا بلغوا إلى هذا الحد ضاعفوا أرزاقهم ووفروا من إقطاعهم وفرضوا عليهم استجادة السلاح وارتباط الخيول والاستكثار من أجناسهم لمثل هذا القصد‏.‏ وربما عمروا بهم خطط الملك ودرجوهم في مراتب الدولة فيسترشح من يسترشح منهم لاقتعاد كرسي السلطان والقيام بأمور المسلمين عناية من الله تعالى سابقة ولطائف في خلقه سارية‏.‏ فلا يزال نشؤ منهم يردف نشؤاً وجيل يعقب جيلاً والإسلام يبتهج بما يحصل به من الغناء والدولة ترف أغصانها من نضرة الشباب‏.‏ وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام وأخوه العادل أبو بكر من بعده ثم بنوهم من بعدهم قد تناغوا في ذلك يما فوق الغاية‏.‏ واختص الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوكهم بالمبالغة في ذلك والإمعان فيه فكان عامة عسكره منهم‏.‏ فلما انفض عشيره وخذله أنصاره وقعد عنه أولياؤه وجنوده لم يدع سبباً في استجلابهم إلا أتاه من استجادة المترددين إلى ناحيتهم ومراضاة التجار في أثمانهم بأضعاف ثمنهم وكان رقيقهم قد بلغ الغاية من الكثرة لما كان التتر قد دوخوا الجانب الغربي من ناحية الشمال وأوقعوا بسكانه من الترك وهم شعوب القفجاق والروس والعلان والمولات وما جاورهم من قبائل جركس‏.‏ وكان ملك التتر بالشمال يومئذ دوشي خان بن جنكزخان قد أصابهم بالقتل والسبي فامتلأت أيدي أهل تلك النواحي برقيقهم وصاروا عند التجار من أنفس بضائعهم والله تعالى أعلم‏.‏ في تاريخه حكاية غريبة عن سبب دخول التتر لبلادهم بعد أن عد شعوبهم فقال ومن قبائلهم - يعني القفجاق - قبيلة طغصبا وستا وبرج أغلا والبولى وقنعرا على وأوغلي ودورت وقلابا أعلى وجرثان وقد كابر كلي وكنن‏.‏ هذه إحدى عشرة قبيلة وليس فيها ذكر الشعوب العشرة القديمة الذكر التي عددها النسابة كما قدمناه أول الترجمة‏.‏ وهذه والله أعلم بطون متفرعة من القفجاق فقط وهي التي في ناحية الغرب من بلادهم الشمالية فإن سياق كلامه إنما هو في الترك المجلوبين من تلك الناحية لا من ناحية خوارزم ولا ما وراء النهر‏.‏ قال بيبرس ولما استولى التتر على بلادهم سنة ست وعشرين والملك يومئذ بكرس جنكز خان‏.‏ لوالده دوشي خان واتفق إن شخصاً من قبيلة دورت يسمى منقوش بن كتمر خرج متصيداً فلقيه آخر من قبيلة طغصبا اسمه آفاكبك - وبين القبيلتين عداوة مستحكمة - فقتله‏.‏ وأبطأ خبره عن أهله فبعثوا طليعة لاستكشاف أمره اسمه جلنقر فرجع إليهم وأخبرهم وأنه قتل وسمى لهم قاتله فجمعوا للحرب وتزاحفت القبيلتان فانهزمت قبيلة طغصبا وخرج آفاكبك القاتل وتفرق جمعه فأرسل أخاه أقصر إلى ملكهم دوشي يستعلم ما على ذوي قبيلة دورت القفجاقية‏.‏ وذكره ما فعل كتمر وقومه بأخيه وأغراه بهم وسهل له الشأن فيهم‏.‏ وبعث دوشي خان جاسوسه لاستكشاف حالهم واختبار مراسلهم وشكيمتهم فعاد إليه بتسهيل المرام وقال إن رأيت كلاباً مكبين على فريستهم متى طردتهم عنها تمكنت منها فأطمعه ذلك في بلاد القفجاق واستحثه أقصر الذي جاء صريخاً وقال له ما معناه نحن ألف رأس تجر ذنباً واحداً وأنتم رأس واحد تجر ألف ذنب فزاده ذلك إغراء‏.‏ ونهض بجموع التتر فأوقع بالقفجاق وأثخن فيهم قتلاً وسبياً وأسراً وفرقهم في البقاع وامتلأت أيدي التجار وجلبوهم إلى مصر فعوضه الله بالدخول في الإيمان والاستيلاء على الملك والسلطان‏.‏ انتهى كلام بيبرس‏.‏ ومساق القصة يدل على أن قبيلة دورت من القفجاق وأن قبيلة طغصبا من التتر‏.‏ فيقتضي ذلك أن هذه البطون التي عددت ليست من بطر واحد وكذلك يدل مساقها على أن أكثر هؤلاء الترك الذين بديار مصر من القفجاق والله تعالى أعلم‏.‏

 الخبر عن استبداد الترك بمصر وانفرادهم بها عن بني أيوب

ودولة المعز أيبك أول ملوكهم قد تقدم لنا أن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل قد استكثر من المماليك الترك ومن في معناهم من التركمان والأرمن والروم وجركس وغيرهم‏.‏ إلا أن اسم الترك غالب على جميعهم لكثرتهم ومزيتهم وكانوا طوائف متميزين بسمات من ينسبون إليه من نسب أو سلطان فمنهم العزيزية نسبة إلى العزيز عثمان بن صلاح الدين ومنهم الصالحية نسبة إلى هذا الصالح أيوب ومنهم البحرية نسبة إلى القلعة التي بناها الصالح بين شعبتي النيل إزاء المقياس بما كانوا حاميتها‏.‏ وكان هؤلاء البحر شوكة دولته وعصابة سلطانه وخواص داره وكان من كبرائهم عز الدين أيبك الجاشنكير التركماني ورديفه فارس الدين أقطاي الجامدار وركن الدين بيبرس البندقداري‏.‏ ولما كان ما قدمناه ووفاة الصالح بالمنصورة في محاصرة الإفرنج بدمياط في سنة سبع وأربعين وكتمانهم موته ورجوعهم في تدبير أمورهم إلى شجرة الدر زوجة الصالح وأم ولد خليل وبعثهم إلى ابنه المعظم تورانشاه وانتظاره وأن الإفرنج سعروا بموت الصالح فدلفوا إلى معسكر المسلمين على حين غفلة فانكشف أوائل العسكر وقتل فخر الدين الأتابك‏.‏ ثم أفرغ الله الصبر وثبت أقداعهم وأبلى أمراء الترك في ذلك اليوم بلاءً حسناً ووقفوا مع شجرة الدر زوج السلطان تحت الرايات ينوهون بمكانها فكانت لهم الكرة وهزم الله العدو‏.‏ ثم وصل المعظم تورانشاه من كيفا فبايعوا له وأعطوه الصفقة وانتظم الحال واستطال المسلمون على الإفرنج براً وبحراً فكان ما قدمنا من هزيمتهم والفتك بهم وأسر ملكهم الفرنسيس‏.‏ ثم رحل المعظم إثر هذا الفتح إلى مصر لشهرين من وصوله ونزل بفارس كور يريد مصر وكانت بطانته قد استطالوا على موالي أبيه تقاسموه بين النكبة والإهمال فاتفق كبراء حرية على قتله وهم أيبك وإقطاي وبيبرس فقتلوه كما مر ونصبوا للملك شجرة الدر أم الخليل وخطل لها على المنابر ونقش اسمها على السكة ووضعت علامتها على المراسم ونصها أم خليل‏.‏ وقام أيبك التركماني بأتابكية العسكر‏.‏ ثم فودي الفرنسيس بالنزول عن دمياط وملكها المسلمون ستة ثمان وأربعين‏.‏ وسرحوه في البحر إلى بلاده بعد أن توثقوا منه باليمين أن لا يتعرض لبلاد المسلمين ما بقي‏.‏ واستقلت الدولة بمصر للترك وانقرضت منها دولة بني أيوب وبلغ الخبر إلى بني أيوب بقتل المعظم وولاية المرأة وما اكتنف ذلك فامتعضوا له‏.‏ وكان فتح الدين عمر بن العادل قد حبسه عمه الصالح أيوب بالكرك لنظر بدر الصوابي خادمه الذي ولاه على الكرك والشوبك لما ملكهما كما مر فأطلق بدر الدين من محبسه‏.‏ وبايع له وقام بأمره ولقبه المغيث واتصل الخبر بمصر وعلموا أن الناس قد نقموا عليهم ولاية المرأة فاتفقوا على ولاية زعيمهم أيبك لتقدمه عند الصالح وأخيه العادل قبله فبايعوا له وخلعوا أم خليل ولقبوه بالمعز فقام بالأمر وانفرد بملك مصر‏.‏ وولى مولاه سيف الدين قطز نائباً وعمر المراتب والوظائف بأمراء الترك والله تعالى ينصر من يشاء من عباده‏.‏ نهوض الناصر صاحب دمشق من بني أيوب إلى مصر وولاية الأشرف موسى مكان أيبك كان الملك الصالح أيوب قبل موته قد استخلف جمال الدين بن يغمور على دمشق مكان ابن مطروح وأمراء الدولة الأيوبية بها متوافرون فلما بلغهم استبداد الترك بصر وولاية أيبك وبيعة المغيث بالكرك أمعنوا النظر في تلافي أمورهم‏.‏ وكبراء بني أيوب يومئذ بالشام الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب وحمص وما إليها فاستدعوه وبايعوا له بدمشق وأغروه بطلب مصر‏.‏ واتصل الخبر للترك في مصر فاعتزموا على أن ينصبوا بعض بني أيوب فيكفوا به ألسنة النكير عنهم فبايعوا لموسى الذي كان أبوه يوسف صاحب اليمن وهو يوسف أطسز بن المسعود بن الكامل وهو يومئذ ابن ست سنين ولقبوه الأشرف‏.‏ وتزحزح له أيبك عن كرسي السلطان إلى رتبة الأتابكية واستمر الناصر على غلوائه في النهوض إلى مصر‏.‏ واستدعى ملوك الشام من بني أيوب فأقبل إليه موسى الأشرف الذي كان صاحب حمص وإسماعيل الصالح بن العادل صاحب بعلبك والمعظم تورانشاه بن صلاح الدين وأخوه نصر الدين وابنا داود الناصر صاحب الكرك وهما الأمجد حسن والظاهر شادي‏.‏ وارتحل من دمشق‏.‏ سنة ثمان وأربعين وفي مقدمته أتابكه لؤلؤ الأرمني وبلغ الخبر إلى مصر فاضطرب الأمر ونادوا بشعار الخلافة والدعاء للمستعصم وجددوا البيعة على ذلك للأشرف وجهزوا العساكر وخرجوا للقائهم‏.‏ وسار في المقدمة أقطاي الجامدار وجمهور البحرية وتبعهم أيبك ساقة في العساكر‏.‏ والتقى الجمعان بالعباسية فانكشف عسكر مصر أولا وتبعهم أهل الشام وثبت المعز في القلب ودارت عليه رحى الحرب‏.‏ وهرب إليه جماعة من عسكر الناصر فيهم أمراء العزيزية مثل جمال الدين لا يدعون وشمس الدين أتسز اليرلي وشمس الدين أتسز الحسامي‏.‏ غضبوا من رياسة لؤلؤ عليهم فهربوا وبقي لؤلؤ في المعركة صامداً‏.‏ ثم حمل المعز على الناصر وأصحابه فانهزموا وانفض عسكره وجيء بلؤلؤ الأتابكي أسيراً فقتله صبراً وبأمراء بني أيوب فحبسهم ورجع أيبك من الوقعة فوجد عساكر للناصر مجتمعين بالعباسية يظنون الغلب لهم‏.‏ فعدل إلى بلبيس ثم إلى القلعة‏.‏ ورجعت عساكر الشام من أتباع المنهزمين لما شعروا بهزيمة صاحبهم فلحقوا بالناصر بدمشق ودخل أيبك إلى القاهرة وحبس بني أيوب بالقلعة‏.‏ ثم قتل منهم إسماعيل الصالح ووزيره ابن يغمور الذي كان معتقلاً من قبل‏.‏ ولما وصل الناصر‏.‏ إلى دمشق أزاح علل عساكره وعجل الكرة إلى مصر ونزل غزة سنة خمسين وبرزت عساكر مصر للقائه فتواقفوا ملياً‏.‏ ثم وصل نجم الدين البادراني رسول المستعصم فأصلح بين الطائفتين على أن يكون القدس والساحل إلى نابلس للمعز والتخم بين المملكتين نهر الأردن‏.‏ وانعقد الأمر على ذلك ورجع كل إلى بلده وأخرج المعز عن أمراء بني أيوب الذين حبسهم يوم الواقعة والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 لما شغل الصالح بالإفرنج وما بعدهم

عظم فساد العرب بالصعيد واجتمعوا على الشريف خضر الدين أبي ثعلب بن نجم الدين عمر بن فخر الدين إسماعيل بن حصن الدين ثعلب الجعفري من ولد جعفر بن أبي طالب الذين أجازوا من الحجاز لما غلبهم بنو عمهم بنواحي المدينة في الحروب التي كانت بينهم‏.‏ وأطاعه أعراب الصعيد كافة ولم يقدر على كفهم عن الراية‏.‏ واتصل ذلك وهلك الصالح واستبد الترك بمصر وشغلوا عنهم بما كان من مطالبة بني أيوب لهم‏.‏ فلما فرغ المعز أيبك من أمر الناصر وعقد الصلح معه بعث لحربهم فارس الدين أقطاي وعز الدين أيبك الأقرم أمير البحرية فساروا إليهم ولقوهم بنواحي أخميم فهزموهم وفر الشريف ناجياً بنفسه‏.‏ ثم قبض عليه بعد ذلك وقتل ورجعت العساكر إلى القاهرة والله تعالى أعلم‏.‏

 مقتل أقطاي الجامادر وفرار البحرية إلى الناصر ورجوع أيبك إلى كرسيه

كان أقطاي الجامدار من أمراء البحرية وعظمائهم ويلقب فارس الدين وكان رديفاً للمعز أيبك في سلطانه وأتابكه‏.‏ وكان يغض من عنانه عن الطموح إلى الكرسي وكان يخفض من جناحه للبحرية يتألفهم بذلك فيميلون له عن أيبك فاعتز في الدولة واستفحل أمره وأخذ من المعز الإسكندرية إقطاعاً وتصرف في بيت المال‏.‏ وبغث فخر الدين محمد بن بهاء الدين بن حياء إلى المظفر صاحب حماة في خطبة ابنته فتزوجها وأطلق يده في العطاء والإقطاع فغم الناس وكثر تابعه‏.‏ وغص به المعز أيبك وأجمع قتله فاستدعاه بعض الأيام للقصر للشورى سنة اثنتين وخمسين‏.‏ وقد أكمن له ثلاثة من مواليه في ممره بقاعة الأعمدة وهم قطز وبهادل وسنجر فوثبوا عليه عند مروره بهم وبادروه بالسيوف وقتلوه لحينه‏.‏ واتصلت الهيعة بالبحرية فركبوا وطافوا بالقلعة فرمى إليهم برأسه فانفضوا‏.‏ واستراب أمراؤهم فاجتمع ركن الدين بيبرس البندقداري وسيف الدين قلاون الصالحي وسيف الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بنسر الشمسي وسيف الدين بلبان الرشيدي وسيف الدين تنكر وأخوه سيف الدين موافق ولحقوا بالشام فيمن انضم إليهم من البحرية واختفى من تخلف منهم واستصفيت أموالهم وذخائرهم‏.‏ وارتجع ما أخذه أقطاي من بيت المال ورد ثغر الإسكندرية إلى أعمال السلطان وانفرد المعز أيبك بتدبير الدولة وخلع موسى الأشرف وقطع خطبته وخطب لنفسه‏.‏ وتزوج شجرة الدر زوجة الصالح التي كانوا ملكوها من قبل‏.‏ واستخلص علاء الدين أيدغدي العزيزي وجماعة العزيزية وأقطعه دمياط‏.‏ ولما وصل البحرية وأمراؤهم إلى غزة كاتبوا الناصر يستأذنونه في القدوم وساروا إليه فاحتفل في مبرتهم وأعروه بملك مصر فأجابهم وجهز العساكر‏.‏ وكتب المعز فيهم إلى الناصر وطلبوا منه القدس والبلاد الساحلية فأقطعها لهم‏.‏ ثم سار الناصر إلى الغور وبرز إلى القاهرة في العزيزية ومن إليهم ونزل العباسية وتواقف الفريقان مدة‏.‏ ثم اصطلحوا ورجع كل إلى بلده سنة أربع وخمسين وبعث أيبك رسوله إلى المستعصم بطاعته وطلب الألوية والتقليد‏.‏ ولما رجع إلى مصر قبض على علاء الدين أيدغدي لاسترابته به وأعاد دمياط إلى أعمال السلطان واتصلت أحواله إلى أن هلك في الدولة والله تعالى أعلم‏.‏ فرار الأفرم إلى الناصر بدمشق كان عز الدين أيبك الأفرم الصالحي والياً على قوص وأخميم وأعمالها فقوي أمره وهم بالاستبداد وأراد المعز عزله فامتنع عليه فبعث بعض الخوارزمية مداداً له‏.‏ ودس إليهم الفتك به‏.‏ فلما وصلوا إليه استخدمهم وخلطهم بنفسه فاغتالوه وقبضوا عليه وتراموا إليه للحين فبطشوا بهم وقتلوهم وخلعوه‏.‏ ثم عزله بعد ذلك عز الدين الصيمري عن خدمته واستدعاه إلى مصر فأقام عنده ثم بعثه مع أقطاي إلى مكانه من الدولة وأوعز المعز أيبك إلى الأفرم بالمقام لتمهيد بلاد الصعيد وأن يكون الصيمري في خدمته وبلغه وهو هناك أن المعز عدا على أقطاي وقتله وأن أصحابه البحرية فروا إلى الشام فاستوحش وأظهر العصيان واستدعى الشريف أبا ثعلب وتظاهر معه على الفساد وجمعوا الأعراب من كل ناحية ثم بعث المعز سنة ثلاث وخمسين شمس الدين البرلي في العساكر فهزمهم‏.‏ واعتقل الشريف فلم يزل في محبسه إلى أن قتله الظاهر‏.‏ ونجا الأفرم في فل من مواليه إلى الواحات‏.‏ ثم اعتزم على قصد الشام فرجع إلى الصعيد مع جماعة من أعراب جذام مروا به على السويس والطور ورجع عنه مواليه إلى مصر ولما انتهى إلى غزة تولع به الناصر فأذنه بالقدوم عليه بدمشق وركب يوم وصوله فتلقاه بالكسوة وأعطاه خمسة آلاف دينار‏.‏ ولم يزل عنده بدمشق إلى أن هرب البحرية من الكوك إلى مصر كما يذكر فخشي أن يأخذه الناصر وكاتب الأتابك قطز بمصر وسار إليه فقبله أولاً‏.‏ ثم قبض عليه بعد ذلك واعتقله بالإسكندرية‏.‏ وكان الصيمري قد بقي بعد الأفرم في ولاية الصعيد واستفحل فيه فسولت له نفسه الاستبداد ولم يتم له فهرب إلى الناصر سنة أربع وخمسين انتهى والله تعالى أعلم‏.‏

 مقتل المعز أيبك وولاية ابنه علي المنصور

كان المعز أيبك عندما استفحل أمره ومهد سلطانه ودفع الأعداء عن حوزته طمحت نفسه إلى مظاهرة المنصور صاحب حماة ولؤلؤ صاحب الموصل ليصل يده بهما وأرسل إليهما في الخطبة‏.‏ وأثار ذلك غيرة من زوجته شجرة الدر وأغرت به جماعة من الخصيان منهم محسن الخزري وخصى العزيزي ويقال سنجر الخادمان فبيتوه في الحمام بقصره وقتلوه سنة خمس وخمسين لثلاث سنين من ولايته‏.‏ وسمع مواليه الناعية من جوف الليل فجاؤوا مع سيف الدين قطز وسنجر الغتمي وبهادر فدخلوا القصر وقبضوا على الجوجري فقتلوه وفر سنجر العزيزي إلى الشام وهموا بقتل شجرة الدر‏.‏ وقام الموالي الصالحية دونها فاعتقلوها ونصبوا للملك علي بن المعز أيبك ولقبوه المنصور وكان أتابكه علم الدين سنجر الحلي واشتمل موالي المعز على ابنه المنصور فكبسرا علم الدين سنجر واعتقلوه وولوا مكانه أقطاي المعزي الصالحي مولى العزيز على الدولة في نقضها وإبرمها سنة ست وخمسين‏.‏ وأغرته أم المنصور بالصاحب شرف الدين الغازي لأن المعز كان يستودعه سراياه عنده فاستصفاه وقتله‏.‏ وفي هذه السنة توفي زهير بن علي المهلي وكان يكتب عن الصالح ويلازمه في سجنه بالكرك ثم صحبه إلى مصر والله تعالى أعلم‏.‏

 نهوض البحرية بالمغيث صاحب الكرك وانهزامه

قد ذكرنا فرار البحرية إلى الناصر ونهوضهم به إلى مصر وخروج أيبك إلى العباسة وما كان بينهما من الصلح‏.‏ فلما انعقد الصلح ورجع الناصر إلى دمشق ورجعوا عنه إلى قلعة ولم يرضوا الصلح فاستراب بهم الناصر وصرفهم عنه فلحقوا بغزة ونابلس‏.‏ وبعثوا إلى المغيث صاحب الكرك بطاعتهم فأرسل الناصر عساكره للإيقاع بهم فهزموهم فسار إليهم بنفسه فهزموه إلى البلقاء ولحقوا بالكرك وأطمعوا المغيث في مصر واستمدوه لها فأمدهم بعسكره وقصدوا مصر وكبراؤهم بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وبليان الرشيدي‏.‏ وبرز الأمير سيف الدين قطز بعساكر مصر إلى الصالحية فهزمهم وقتل بلغار الأشرف وأسر قلاوون الصالحي وبليان الرشيدي‏.‏ وأطلق قلاوون الصالحي بعد أيام في كفالة أستاذ الدار فاختفى ثم لحق بأصحابه واستحثوا المغيث إلى مصر فنهض في عساكره سنة ست وخمسين ونزل الصالحية وقدم إليه عز الدين الرومي والكافوري والهواشر ممن كان يكاتبه من أمراء مصر‏.‏ وبرز سيف الدين قطز في عساكر مصر والتقى الجمعان فانهزم المغيث ولحق في الفل بالكرك‏.‏ وفرت البحرية إلى الغور فوجدوا هنالك أحياء من الأكراد فروا من جبال شهرزور أمام التتر فاجتمعوا بهم والتحموا بالصهر معهم وخشي الناصر غائلة اجتماعهم فجهز العساكر من دمشق إليهم والتقوا بالغور فانهزمت عسكره فتجهز ثانياً بنفسه وسار إليهم فخاموا عن لقائه وافترقوا فلحق الأكراد بمصر واعترضهم التركمان في طريقهم بالعريش فأوقعوا بهم وخلصوا إلى مصر‏.‏ ولحق البحرية بالكرك مع عسكر المغيث ووعدهم بالنصر وأرسل إليه من دمشق في إسلامهم إليه‏.‏ وتوعده أنفسهم واضطربوا ففر بيبرس وقلاوون إلى الصحراء وأقاموا بها‏.‏ ثم لحقوا بمصر وأكرمهم الأتابك قطر وأقطعهم وأقاموا عنده‏.‏ ولما فر بيبرس وقلاوون من المغيث قبض على بقية أمراء البحرية سنقر الأشقر وشكر وبرانق وبعث بهم إلى الناصر فحبسهم بقلعة حلب إلى أن استولى التتر عليها‏.‏ خلع المنصور علي بن أيبك واستبداد قطز بالملك ثم كان ما ذكرناه ونذكره من زحف هلاكو إلى بغداد واستيلائه عليها وما بعدها إلى الفرات وفتحه ميافارقين وإربل ومسير لؤلؤ صاحب الموصل إليه ودخوله في طاعته‏.‏ ووفادة ابن الناصر صاحب دمشق إليه رسولاً عن أبيه بالهدايا والتحف على سبيل المصانعة والعذر عن الوصول بنفسه خوفاً على سواحل الشام من الإفرنج فارتاب الأمراء بشأنهم واستصغروا سلطانهم المنصور علي بن المعز أيبك عن مدافعة هذا العدو لعدم ممارسته للحروب وقلة دربته بالوقاع‏.‏ واتفقوا على البيعة لسيف الدين قطز المعزي وكان معروفاً بالصرامة والإقدام فبايعوا له وأجلسوه على الكرسي سنة ست وخمسين ولقبوه المظفر‏.‏ وخلعوا المنصور لسنتين من ولايته وحبسوه وأخويه بدمياط‏.‏ ثم غربهما الظاهر بعد ذلك إلى القسطنطينية‏.‏ وكان المتولون لذلك الصالحية والعزيزية ومن يرجع إلى قطز من المعزية‏.‏ وكان بهادر وسنجر الغتمي غائبين فلما قدما استراب بهما قطز وخشي من نكيرهما ومزاحمتهما فقبض عليهما وحبسهما‏.‏ وأخذ في تمهيد الدولة فاستوسقت له‏.‏ وكان قطز من أولاد الملوك الخوارزمية يقال إنه ابن أخت خوارزم شاه واسمه محمود بن مودود أسره التتر عند الحادثة عليهم وبيع واشتراه ابن الزعيم‏.‏ حكاه النووي عن جماعة من المؤرخين والله تعالى ينصر من